ابراهيم بن عمر البقاعي
540
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أَيْدِيكُمْ أي إن أردتم أخذه سالما وَرِماحُكُمْ إن أردتم قتله ، ثم ذكر المراد من ذلك وهو إقامة الحجة على ما يتعارفه العباد بينهم فقال : لِيَعْلَمَ اللَّهُ أي وهو الغني عن ذلك بما له من صفات الكمال التي لا خفاء بها عند أحد يعلم هذا الاسم الأعظم مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ أي بما حجب به من هذه الحياة الدنيا التي حجبتهم عن أن يعرفوه حق معرفته سبحانه ، والمعنى أنه يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، فيصير تعلق العلم به تعلقا شهوديا كما كان تعلقا غيبيا لتقوم بذلك الحجة على الفاعل في مجاري عاداتهم ، ويزداد من له اطلاع على اللوح المحفوظ من الملائكة إيمانا ويقينا وعرفانا ، وقد حقق سبحانه معنى هذه الآية فابتلاهم بذلك عام الحديبية حتى كان يغشاهم الصيد في رحالهم ويمكنهم أخذه بأيديهم . ولما كان هذا زاجرا في العادة عن التعرض لما وقعت البلوى به وحاسما للطمع فيه بمن اتسم بما جعل محط النداء من الإيمان ، سبب عنه قوله : فَمَنِ اعْتَدى أي كلف نفسه مجاوزة الحد في التعرض له ؛ ولما كان سبحانه يقبل التوبة عن عباده ، خص الوعيد بمن استغرق الزمان بالاعتداء فأسقط الجار لذلك فقال : بَعْدَ ذلِكَ أي الزجر العظيم فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ * بما التذّ من تعرضه إليه لما عرف بالميل إلى هذا أنه إلى ما هو أشهى منه كالخمر وما معها أميل . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 95 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( 95 ) ولما أخبرهم بالابتلاء صرح لهم بما لوح إليه بذكر المخافة من تحريم التعرض لما ابتلاهم به ، فقال منوّها بالوصف الناهي عن الاعتداء : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وذكر القتل الذي هو أعم من الذبح إشارة إلى أن الصيد - لما عنده من النفرة المانعة من التمكن من ذبحه - يحبس بأي وجه كان من أنواع القتل فقال : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ أي لا تصطادوا ما يحل أكله من الوحش ، وأما غير المأكول فيحل قتله ، فإنه لاحظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه المراد بالفسق في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « خمس في الدواب فواسق ، لا جناح على من قتلها في حل ولا حرم » « 1 » وذكر منهن السبع العادي ، فدل الحكم برفع
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 3314 ومسلم 1198 والترمذي 837 والنسائي 5 / 2008 وابن حبان 5633 كلهم من حديث عائشة بألفاظ متقاربة .